محمد طاهر الكردي

94

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

الناس من ذلك سهو وتخليط ، فربما ركع المالكي بركوع الشافعي ، وسجد الحنفي بسجود الحنبلي ، وتراهم مصيخين كل واحد إلى صوت المؤذن ، الذي يسمع طائفته ، لئلا يدخل عليه السهو . انتهى . وقال القاضي ابن ظهيرة في تاريخه في كيفية صلاة الأئمة الأربعة في المقامات : وأما كيفية الصلاة فيما تقدم من الزمن ، فكانوا يصلون مرتبين ، إلا أن المالكي كان يصلي قبل الحنفي مدة ، ثم تقدم عليه الحنفي بعد التسعين وسبعمائة ، ثم قال : ونقل الفاسي ، عن ابن جبير ، ما يقتضي أن كلا من الحنفي والحنبلي كان يصلي قبل الآخر ، ثم قال : وأما صلاة المغرب فكانوا يصلونها جميعا ، أعني الأربعة في وقت واحد ، فيحصل للمصلين بسبب ذلك لبس كثير ، من اشتباه أصوات المبلغين ، واختلاف حركات المصلين ، فأنكر العلماء ذلك ، وسعى جماعة من أهل الخير عند ولي الأمر إذ ذاك ، وهو الناصر بن برقوق الجركسي صاحب مصر فبرز أمره في موسم سنة ( 811 ) بأن الإمام الشافعي ، بالمسجد الحرام ، يصلي المغرب بمفرده ، فنفّذ أمره بذلك ، واستمر الحال كذلك إلى أن تولى الملك المؤيد ، صاحب مصر ، فرسم بأن الأئمة الثلاثة يصلون المغرب ، كما كانوا قبل ذلك ، فابتدأوا بذلك في ليلة 6 ذي الحجة سنة ( 810 ) واستمروا يصلون كذلك . انتهى . فانظر رحمك اللّه إلى هذا التعصّب الزائد في المذاهب الأربعة ، الذي خرج عن حده ، حتى أدى إلى تفرقة الجماعات في الصلوات ، في نفس المسجد الحرام ، وهذا خلاف ما كان عليه السلف الصالح ، وأهل القرون الثلاثة الأولى ، وهم خير القرون بنص الحديث الشريف ، ففي الصحيحين : « خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته » . على أن علماء الإسلام لم يسكتوا عن هذا الأمر ، في ذلك الوقت ، فإن الشيخ الإمام أبا القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب المالكي أفتى في سنة ( 550 ) ، بمنع الصلاة بأئمة متعددة ، وجماعات مرتبة ، بحرم اللّه تعالى ، وقال : وعدم جوازها على مذاهب العلماء الأربعة . وقد أنكر أيضا كثير من العلماء هذا الأمر حينما وصلوا إلى مكة للحج سنة ( 551 ) من أصحاب المذاهب الأربعة . ذكر أسمائهم الشيخ عبد اللّه باسلامة في « تاريخ عمارة المسجد الحرام » . فراجعه إن شئت .